الشيخ محمد حسين الحائري

427

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

تقليده بعد الموت وعدمه ولا في الثاني بين أن يكون قد قلده في حياته في المنع وعدمه لبطلان تقليده في تلك الواقعة قطعا أما في القسم الأول فلانه استصحب تقليده فيها بفتواه بالبقاء لزم توقف الشئ على نفسه أو بالاستصحاب فالعمل به في الاحكام وظيفة المجتهد دون المقلد كما حققناه في محله وأما في الثاني فلاستلزام صحته بطلانه فيتعين عليه تقليد الحي فيه فإن أجاز له البقاء على تقليده كما هو محل الفرض جاز له ذلك في غير تلك الواقعة من الوقائع المحتملة في الظاهر للبقاء وإن منع منه بطل في الجميع لا يقال حكم الحي بالبقاء على جميع فتاوى الميت حكم واحد لا يصلح للتفصيل وقضية مستنده أيضا ذلك فتقليده فيه يستلزم البقاء على ما قلده فيه من المنع من البقاء أيضا فإن التقليد على ما مر في الاحكام العامة لا في خصوص كل مورد من مواردها لأنا نقول إنما يصح حكم الحي بالبقاء بالنسبة إلى الاحكام التي يمكن في حقها البقاء إذ تعميمه الحكم إلى المورد الذي يمتنع فيه البقاء غير معقول فإن قلت تخصيص فتوى الحي بالبقاء في غير ما قلد الميت فيه من المنع من البقاء نظرا إلى لزوم التدافع فيه مع أن قضية كل من قوله ومستنده العموم ليس بأولى من تخصيص ما قلد فيه الميت من المنع من البقاء بغير ما قلده فيه من مسألة المنع وإن كان قضيته كل من قوله ومستنده العموم وحينئذ فيبقى تقليده له في هذه المسألة خاصة بتقليد الحي ببقائه ويبطل تقليد الميت فيها في عدم بقائه في ذلك للتدافع ويبطل في غيرها أيضا ببقاء تقليد الميت فيها في المنع قلت حكم الميت بالمنع من البقاء حكم واحد لا يختص ثبوته في نظره بغير مورد المنع من البقاء لعموم دليله وانتفاء المعارض في حقه بخلاف حكم الحي بالبقاء فإن دليله عليه بعد ملاحظة المعارض إنما يقتضي البقاء بالنسبة إلى المسائل التي يمكن في حقها البقاء ظاهرا وحيث قررنا أن مورد التقليد إنما هو الحكم الشرعي بقول مطلق دون خصوصية كل مورد بانفرادها فليس للحي القول ببقاء تقليده في المنع بالنسبة إلى غير المنع لاستلزامه تجويز الجميع بين تقليد مجتهدين مختلفين في حكم موضوع واحد بالنسبة إلى فردين من أفراده في زمان واحد وفساده واضح كما مر وأما استصحاب حكم ما وقع بالتقليد السابق على رجوع المفتي وشبهه فليس بتقليد لاحق ليلزم منه الجمع في التقليد بين حكمين متنافيين بل بتقليد سابق ولا يتوقف استصحاب حكم التقليد على بقائه وبالجملة فالوجه الثاني من السؤال تخصيص من المقلد ولو بفتوى المجتهد للعمل بقول المجتهد بالمنع مطلقا في مورد دون مورد والأول تخصيص من المجتهد للأدلة الدالة على البقاء لا تخصيص من المقلد لفتواه الثانية بقول مطلق ببعض موارده فتثبت في المقام فإنه من مزال الاقدام وكذلك الحال في مسألة البقاء على تقليد المفتي الذي اعتراه زوال غير الحياة من الشرائط كالايمان والاجتهاد والعدالة والعقل والأفضلية بناء على تقديمه فإن وظيفة المقلد في ذلك تقليد الجامع للشرائط في البقاء وعدمه وإن قلد الفاقد قبل فقده في المنع ولو كان قد قلده في البقاء لم يكفه ذلك في الحكم بالبقاء لكونه دوريا بل يتعين عليه تقليد الجامع للشرائط فيه فلو أفتى له بالبقاء وقلده فيه فهل يبقى على تقليد الفاقد في مسألة البقاء أيضا أو يبطل تقليده فيها ويبقى على تقليده في غيرها من المسائل وجهان من عدم التنافي بين تقليد الجامع في البقاء على تقليد الفاقد في مسألة البقاء وبين تقليد الفاقد في البقاء على تقليده في غيرها ومن عدم جواز تقليد مفتيين في مسألة واحدة في زمن واحد ولو بحسب موردين وإن لم يتناف الحكمان وقد عرفت مما مر أن الثاني أقوى فصل المعروف من مذهب الأصحاب أن جاهل الحكم غير معذور إلا في المقامين في الجهر والاخفات وفي الاتمام في محل القصر وكلامهم هذا يحتمل وجوها الأول أن الجاهل وإن لم يكن مقصرا غير معذور بالنسبة إلى الحكم المجهول له تكليفيا كان أو وضعيا بمعنى أن جهله لا ينافي فعلية الحكم في حقه في غير المقامين وهذا على إطلاقه لا يتم على طريقة العدلية قطعا لظهور قبحه تكليف الغافل وشبهه عقلا مضافا إلى ما دل عليه من الكتاب والسنة فلا يصح تنزيل كلامهم عليه الثاني أن الجاهل بقسميه غير معذور بالنسبة إلى الحكم الوضعي بمعنى أن جهله لا يرفع الحكم الوضعي الثابت في حقه إلا في المقامين وهذا الوجه وإن أمكن صحته في نفسه إلا أن كلماتهم لا تساعد على إرادة التخصيص بالوضعي الثالث أن الجاهل المقصر غير معذور فيما يلزمه من الاحكام تكليفية كانت أو وضعية في غير المقامين وهذا أمتن من سابقه والوجه في إطلاقهم القول بعدم المعذورية وضوح أمر القيد مع مراعاة ما هو الغالب في المكلفين من التقصير في تعلم الاحكام فإنا نرى بالعيان أن أكثر الناس يعلمون بثبوت أحكام كثيرة في الشرع ويتسامحون في تعلمها ويعترفون بتقصيرهم في ذلك وربما يلتجئون في مقام الاعتذار بعدم مساعدة التوفيق إياهم أو بأنهم متشاغلون بإصلاح معيشتهم ونحو ذلك مع علمهم ببطلان معذريتهم إلى غير ذلك ولا ريب أن العلم الاجمالي بالتكليف مع التمكن من استعلام التفصيل كاف في ثبوته على المكلف عقلا ونقلا ولهذا صح قول أصحابنا بأن الكفار معاقبون على الفروع كما أنهم معاقبون على الأصول مع جهدهم بكثير من فروع الاحكام فإن علمهم الاجمالي بثبوت أحكام كثيرة في هذه الشريعة كاف في توجه التكاليف الثابتة فيها إليهم وإن جهلوا تفاصيلها مع تمكنهم من معرفتها هذا كله بحسب الأصل وأما عند قيام دليل على اشتراط ثبوت التكليف بالعلم التفصيلي فلا إشكال في دورانه